ابن عطية الأندلسي

180

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

النفس اللجوجة الأمارة بالسوء طائعا منقادا حتى واقعه صاحب هذه النفس وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجراح والحسن بن عمران وأبو واقد فطاوعت والمعنى كأن القتل يدعو إلى نفسه بسبب الحقد والحسد الذي أصاب قابيل وكأن النفس تأبى لذلك ويصعب عليها وكل جهة تريد أن تطيعها الأخرى إلى أن تفاقم الأمر وطاوعت النفس القتل فواقعته وروي أنه التمس الغرة في قتله حتى وجده نائما في غنمه فشدخ رأسه بحجر وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وروي أنه لما انصرف قابيل إلى آدم قال له أين هابيل قال لا أدري كأنك وكلتني بحفظه فقال له آدم أفعلتها والله إن دمه ليناديني من الأرض اللهم العن أرضا شربت دم هابيل فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دما ثم إن آدم صلى الله عليه وسلم بقي مائة عام لم يتبسم حتى جاء ملك فقال له حياك الله يا آدم وبياك فقال آدم ما بياك قال أضحكك ويروي أن آدم عليه السلام قال حينئذ ( تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح ) ( تغير كل ذي طعم ولون * وقل بشاشة الوجه المليح ) وكذا هو الشعر بنصب بشاشة وكف التنوين وروي عن مجاهد أنه قال علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج قال القاضي أبو محمد فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى * ( فأصبح من الخاسرين ) * ومن خسرانه ما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم ومن خسرانه ما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها وذلك أنه أول من سن القتل وقوله * ( فأصبح ) * عبارة عن جميع أوقاته أقيم بعض الزمن مقام كله وخص الصباح بذلك لأنه بدء النهار والانبعاث إلى الأمور ومطية النشاط ومنه قول الربيع بن ضبع ( أصبحت لا أحمل السلاح * ) البيت ومنه قول سعد بن أبي وقاص ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام إلى غير ذلك من استعمال العرب لما ذكرناه وقوله تعالى " فبعث الله غرابا البحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " روي في معناه أن قابيل جعل أخاه في جراب ومشى به يحمله في عنقه مائة عام وقيل سنة واحدة وقيل بل أصبح في ثاني يوم قتله يطلب إخفاء أمر أخيه فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت فجعل يبحث في الأرض ويلقي التراب على الغراب الميت وروي أن الله تعالى بعث غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم جعل القاتل يبحث ويواري الميت وروي أن الله تعالى إنما بعث غرابا واحدا فجعل يبحث ويلقي التراب على هابيل وظاهر هذه الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم ولذلك جهلت سنة المواراة وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في الكتب الأول و * ( يبحث ) *